عبد الوهاب الشعراني

170

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

181 - ومنهم أبو العباس أحمد بن مسروق رضى اللّه تعالى عنه ورحمه : ومن أفضل أهل طوس وسكن بغداد ومات بها سنة سبع وتسعين ومائتين صحب الحارث المحاسبي والسرى وغيرهما ، وكان من كبار مشايخ القوم وعلمائهم ، وكان رضي اللّه عنه يقول لا ينبغي للفقير سماع التغزلات إلا إن كان مستقيما في الظاهر والباطن قوى الحال إماما في العلم ، وأما أمثالنا فلا يليق بنا سماعها لأن قلوبنا لم تالف الطاعات إلا تكلفا ونخشى إن أبحنا لها رخصة أن تتعدى إلى رخص ، وكان رضي اللّه عنه يقول من لم يحترز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله ، وكان يقول من كان مؤدبه ربه لا يغلبه أحد وكان يقول الزاهد هو الذي لا يملك مع اللّه سببا . وكان يقول لا أزال أحن إلى بدو إرادتي وقوة همتي وركوبى الأهوال طمعا في الوصول ، وها أنا الآن في أيام الفترة أتأسف على أوقاتي الماضية وأتمنى صفاء وقت فلا أجده ، وكان يقول المؤمن يتقوى بذكر اللّه تعالى كما وقع لسيدتنا فاطمة رضى اللّه عنها حين طلبت من النبي صلى اللّه عليه وسلم خادما ليطحن معها فعلمها النبي صلى اللّه عليه وسلم التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقال : هن لك أحسن من خادم وأما المنافق فلا يتقوى إلا بالطعام والشراب فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وكان يقول : ما سر أحد بغير الحق إلا أورثه ذلك السرور الهموم والأحزان ، وجاءه مرة شخص فدخل داره لوليمة كانت عند أبي العباس بلا دعوة فقال أبو العباس للّه على أن لا أدعه يمشى إلا على خدى حتى يجلس موضع الأكل ، فوضع خده على الأرض ومضى عليه الرجل إلى أن بلغ إلى موضع جلوسه وصار يقول مثل هذا الرجل يتواضع لي ويحضر وليمتى بأي شيء أكافئه . وكان يقول رأيت القيامة قد قامت ورأيت موائد نصبت فأردت أن أجلس عليها فقالوا لي هذه للصوفية ، فقلت أنا منهم فقال لي ملك قد كنت منهم ولكن شغلك عن اللحوق بهم كثرة الحديث وحبك التمييز على الأقران ، فقلت تبت إلى اللّه تعالى واستيقظت فأقبلت على طريق القوم وقلت للحديث رجال غيرى . وكان رضي اللّه عنه يقول لأصحابه عليكم بالتقليل من المآكل والملابس والنوم فقد كنت في بدء أمرى ألبس المسوح والليف ، وكنت أجتمع بشيوخى في الجامع كل